كيف تصنع التفاهة نجومًا؟

فاتن محمد على (*)
هذا المشهد ليس مجرد صدفة أو اجتهادات فردية، بل هو جزء من ثقافة ممنهجة تهدف إلى تدمير الذوق العام، خصوصًا لدى الأجيال الناشئة، ونشر التفاهة والابتذال كقيم سائدة في المجتمع. الأمر لم يعد مجرد “نظرية مؤامرة” يروج لها البعض، بل أصبح واقعًا جليًا يفرض نفسه على الجميع، والسؤال هنا: لماذا؟ ومن المستفيد من نشر هذه الثقافة السطحية؟ ولماذا يُحتفى بمن يقدمون الابتذال بينما يتم تجاهل العلماء والمبدعين الحقيقيين الذين يزخر بهم مجتمعنا؟
إن ما نشاهده اليوم، سواء في البرامج التلفزيونية أو على منصات التواصل الاجتماعي، يؤكد أن هناك توجهًا مقصودًا لصناعة نجوم من اللاشيء، وإعلاء قيمة التفاهة على حساب الوعي والثقافة. ليس بعيدًا عن هذا السياق ما تم تقديمه في المسلسلات الرمضانية، حيث أصبحت مشاهد العنف والبلطجة والقتل والحرق هي المادة الأساسية، باستثناء عدد قليل جدًا من الأعمال التي لا تكاد تُذكر.
قبل أيام، فوجئت بأن أطفالي متحمسون لمشاهدة حلقة من احدى برامج «التوك شو الترفيهية»، وهو أمر غير معتاد منهم، مما دفعني إلى متابعتها معهم لمعرفة السبب. كنت أعتقد أن الضيوف شخصيات مؤثرة أو ذات قيمة حقيقية، لكن المفاجأة كانت ظهور مجموعتين من فرق الشباب الصاعدة والتى تقدم موسيفة صاخبة وكلمات لا معنى لها. ما أثار دهشتي هو مدى معرفة أطفالي بأفراد هذه الفرق، حيث ذكروا أسماءهم بحماس، وكأنهم نجوم عالميون.
لكن الصدمة الكبرى لم تكن في معرفة الأطفال بهم، بل في المحتوى الذي يقدمه هؤلاء الأشخاص. ساعتان من التفاهة والسطحية، وأسئلة لا تمتّ لأي قيمة فكرية أو ثقافية بصلة. مثلًا، سُئل أحد الضيوف: “أم خالد بتطبخ إيه لخالد على الفطار؟”، وأخرى عن تخمين أغنية من خلال بعض الحروف العشوائية!
لم يكن هناك أي محتوى ذي قيمة، ورغم ذلك يحظى هؤلاء الشباب بشعبية جارفة، وملايين المتابعين والمشاهدات على منصات التواصل الاجتماعي. كيف أصبح هذا هو معيار النجاح والتأثير؟ وكيف وصلنا إلى هذه المرحلة من الاستهلاك الأعمى للتفاهة؟
نحن أمام تحدٍ خطير يهدد مستقبل الأجيال القادمة، حيث يتم تهميش العقول المبدعة والمفكرين، بينما يتم الترويج لثقافة سطحية تقتل الإبداع والفكر. من الذي يروج لهذا الانحدار؟ ولمصلحة من يُعاد تشكيل وعي المجتمع بهذه الطريقة؟.
هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات، وإلى وقفة جادة من الجميع قبل فوات الأوان.
…….
(*) ناقدة وكاتبة مصرية



