مقالات

ما لا يُقال في السياسة، تقوله الأسواق: الذهب يعود

1 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

د. نوف الغامدي (*)

برأي لا شيء يعلو فوق ‫لغة الأرقام ….

‏ما إن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ‫ترامب رفع الرسوم الجمركية على الصين 125%، حتى جاء رد الفعل الأول من السوق في شكلٍ صامت لكنه صارخ: ارتفع الذهب لم يرتفع فقط كمعدن، بل ارتفع كرمز. ففي كل مرة يشعر فيها العالم أن النظام يتفكك، يقف الذهب على منصة الثقة وكأنه يقول: “أنا الوحيد الذي لا يكذب”.

‏لم يكن هذا الارتفاع تقنيًا بحتًا، ولا مدفوعًا بالمضاربات القصيرة، بل كان انعكاسًا لحقيقة أعمق: أن العالم دخل لحظة انكشاف اقتصادي كبير. القرار الأمريكي لم يكن مجرد إجراء جمركي؛ كان إعلانًا عن تغيير قواعد اللعبة بالكامل. نحن لم نعد في عصر التفاوض الناعم، بل في مرحلة استخدام الاقتصاد كسلاح سياسي مكشوف. ومن هنا، بدأ المستثمرون حول العالم في البحث عن ملاذ، لا عن فرصة، والذهب كان الملاذ الطبيعي الأول.

‏من وجهة نظري، فإنّ هذا التحوّل يعبّر عما بات يُعرف بالعولمة المجزأة، حيث لم تعد سلاسل الإمداد تُبنى على الكفاءة أو التكلفة، بل على الثقة السياسية والاصطفاف الجيوستراتيجي. ترامب، من خلال هذا القرار، لا يعاقب الصين فقط، بل يُعلن أن التجارة لم تعد مُلكًا للمنظمات الدولية، بل للسيادة السياسية. وهنا يبدأ الذهب في الارتفاع، لا لأنه ندر، بل لأنه صار هو الشيء الوحيد الذي لا يدخل في الاصطفافات.

‏الأسواق تقرأ المشهد مبكرًا. الدولار تراجع، ليس لأنه فقد قيمته الاسمية، بل لأن قيمته المعنوية كمصدر ثقة بدأت تتآكل. الذهب ارتفع لأنه لا يحتاج إلى تبرير سياسي كي يُؤمن به الناس. وفي لحظة كهذه، حيث القوى الكبرى تنزلق نحو حرب تجارية مفتوحة، يصبح الذهب هو العملة العالمية الحقيقية، بلا توقيع، بلا بنك مركزي، بلا خطاب انتخابي.

‏في هذا السياق، يجب أن تتصرف الدول الذكية لا كمتفرج، بل كفاعل استراتيجي. لا يكفي مراقبة ارتفاع الذهب، بل يجب فهمه. حين يرتفع الذهب، فهو لا يُقدّم نصيحة استثمارية، بل يُطلق تحذيرًا وجوديًا. الدول النامية، والسعودية على وجه الخصوص، يجب أن تقرأ هذا التحوّل كنافذة فرصة، لا كأزمة فقط. إعادة توجيه السياسات الصناعية، بناء بدائل لوجستية، وتدعيم الاحتياطيات الذهبية ليس خيارًا تكتيكيًا، بل رهان استراتيجي.

‏الاستثمار في الذهب لم يعد قرارًا مالياً فقط، بل أصبح قرارًا سياديًا. وعلى الصعيد المؤسسي، فإن البنوك المركزية وصناديق الثروات السيادية مطالبة اليوم بإعادة توزيع محافظها، ليس من منطلق الخوف، بل من منطلق الفهم. نحن أمام حقبة جديدة، لم تعد فيها المعايير الاقتصادية وحدها كافية لتحديد الاتجاه، بل دخل العامل السياسي والجيوسياسي كمحدّد رئيسي لقيمة كل أصل.

‏الذهب لا يصعد لأنه أجمل المعادن، بل لأنه أكثرها صمتًا وثقة. وحين يصرخ العالم سياسيًا، يصعد الذهب اقتصاديًا. وهذا ما يحدث الآن. الأسواق تفهم ما لا يُقال. وسياسات ترامب لا تُقرأ من تغريداته، بل من رد فعل الذهب على قراراته. هذه هي اللغة الجديدة للعالم، ومن لا يفهمها، سيكون ضحية لجملة واحدة لم تُقال في الوقت المناسب.

حين أعلنت الولايات المتحدة رفع الرسوم الجمركية على الصين، بدا القرار وكأنه لحظة كسر في استقرار طويل، لا مجرد تصعيد تجاري. الأسواق اهتزت، الذهب قفز، والدولار بدأ يترنح أمام أسئلة باتت تتكرر بصوت أعلى: هل آن أوان التحول؟ وهل يمكن أن يعود العالم إلى قاعدة الذهب كملاذ نقدي، بعد أن بدأ يفقد الثقة بالورق؟

هذا التساؤل لم يعد نظريًا، بل بدأ يتسرّب إلى نبرة المستثمرين والبنوك المركزية، خصوصًا في لحظات توتر مثل هذه. ومع تراجع قيمة الدولار، وارتفاع الضغوط التضخمية، وغياب رؤية أمريكية مستقرة للسياسات الاقتصادية طويلة الأمد، أصبحت فكرة العودة للذهب مطروحة من جديد، لا كحل كلاسيكي، بل كضرورة احتياطية.

لكن العودة الكاملة لربط الدولار بالذهب تبدو، في الواقع، بعيدة المنال. الاقتصاد الأمريكي الحديث يقوم على مرونة الطباعة وضبط الفائدة وتحريك السيولة، لا على التغطية الصلبة. وربط الدولار بالذهب كما كان في “نظام بريتون وودز” سيُفقد واشنطن أدواتها المالية، بل وسيكشف هشاشة التوازن الحقيقي بين الدين العام والغطاء النقدي. القصة لم تعد قصة غطاء، بل قصة ثقة… والثقة، كما نعلم، لا تعود بسهولة.

لكن غياب العودة الرسمية لا يعني غياب التحوّل الفعلي. فالعالم لا يُعلن عودته للذهب، لكنه يتصرّف وكأنه عاد. البنوك المركزية في آسيا، الخليج، وشرق أوروبا، تزيد من احتياطيات الذهب بوتيرة لم نشهدها منذ عقود. دول البريكس تسعى لابتكار عملة مشتركة مدعومة بالسلع أو الذهب. والتحركات في الأسواق تشير إلى اتجاهات جديدة تُبنى على الأصل، لا على الوعد.

وفي مقابل هذا الحراك، ستسعى الولايات المتحدة إلى دعم الدولار بوسائل غير مباشرة: عبر رفع أسعار الفائدة، وتعزيز النفوذ الجيوسياسي، والتحكم في التكنولوجيا المالية والعملة الرقمية. لكن ذلك لن يُلغي السؤال الحقيقي: هل الدولار ما زال يملك نفس الشرعية الأخلاقية والاقتصادية التي جعلته عملة العالم منذ عام 1945؟ الإجابة باتت معقدة.

ما نراه اليوم ليس انهيارًا، بل تحوُّلًا هادئًا… من عالم تُحدد فيه قيمة المال بالثقة في الحكومات، إلى عالم يُعاد فيه الاعتبار للقيمة الجوهرية. الذهب يعود، ليس لأن أحدًا قرر، بل لأن الأسواق لم تعد تصدق كما كانت. والعملات لا تسقط فجأة، بل تتآكل تدريجيًا… تمامًا كما تتسرب الثقة، قطرة بعد قطرة.

(*) مستشارة تنمية اقتصادية وحوكمة إقليمية

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com