وما عليَّ أن تكون جاريهْ

د. سعيد عطية أبو عالي
ليس ثمة شك في أن الأب هو السند الداعم، والصديق الصادق، والأخ المقرب، فضله جليل، وقدره أصيل.
فيما الأم نبع الحنان، ومصدر السعادة، وموئل الطمأنينة، فهي من ربى وعلم، وسهر وتعب.
وللعبد الفقير مقولة بأن الأم هي الأقدر على تربية الأطفال، بل إنها هي التي تشعر بفرحهم وآلامهم، يقول شكسبير: «ليس في العالم وسادة أنعم من حضن الأم»
وكثير من الأبناء والبنات لا يطيقون فراق والديهم والعيش بعيداً عنهم.. وحين يحدث الفراق لسبب أو لآخر فإن الشوق يتعاظم، والعاطفة تتسامى.
والأمهات يتباهين بأبنائهن وبناتهن.. ولكن بعضهنّ يفضلن البنين على البنات. وكان لهنّ في نظري بعض المبررات بحيث إن الولد يرمز إلى قوة العائلة وسطوتها، وهو الذي (كان) يستطيع الضرب في أرض الله بعيداً عن البيت والأهل طلباً للرزق. وكانت أعرابيةٌ تباهي بولدها وتقول:
(يا حبذا ريح الولد / ريح الخزامى في البلد)
بينما أعرابيةٌ أخرى امتدحت ابنتها قائلةً:
(وما عليَّ أن تكون جاريهْ / تغسل رأسي وتكون الغالية / وترفع الساقط من خماريه)
أمَّا الآن وقد تغيّر كثير من معطيات الحياة فأصبحت البنت نبع الحنان بطبيعتها، ومصدر الرزق بعلمها وعملها، فقد كتب الصديق الأديب حمد القاضي قبل سنوات عن قصيدة نبطية لإحدى بنات الوطن التي تزوّجت ورحلت مع زوجها إلى جدة. وتكاد القصيدة تنطق بالعواطف الصادقة.
برُّ الوالدين، حبُّ الجيران، حبُّ مسقط الرأس، حبُّ الوطن. وفوحُ التربية الحسنة، التي تلقتها الشاعرة في أحضان والديها، تبوح بها القصيدة.
الشاعرة هي إحدى بنات مدينة القنفذة وقد وقَّعتْ قصيدتها باسم (وصايف) وإن كان التوقيع اسمها الحقيقي أو لا … فإنه يفيض بالرقة والحنان. تقول في مطلعها:
تفضل يا لنسيم اللي مشاويره جنوبيهْ
ولا منّك وصلت «القنفذة» انثر تحيَّاتي
وصافح لي كفوف أرضٍ بها نبضات ورديهْ
وعانق «حارتي» تكفى عناقًا يحمل آهاتي
..
وهكذا …. تمضي بنا الحياة تتهادى فوق قطار العمر، ونحن نحمل بين جوانحنا أجمل الذكريات والمآثر لأبوينا، نحمل الدعوات الصادقات لهما، والاعتزاز الكبير بدورهما، كقيمة إنسانية صادقة خالدة، تعلمناها ممن سبقنا، ونتطلع أن تبقى ميراثًا لأبنائنا وللأجيال المتلاحقة، كيما يظل البر حيًا والوفاء مشعًا.



