مقالات

التقارب رزق والتنافر اختبار

1 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

أميمة عبدالعزيز زاهد

في مسيرة الحياة، تتلاقى الأرواح كما تتلاقى الخطوط في لوحة القدر، بعضها يتآلف من أول نظرة، وبعضها ينفر دون سبب ظاهر. وليس ذلك بالشيء المستغرب، فقد قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.”

عندما نعيش ضمن بيئة واحدة – في بيت أو عمل أو مجتمع – يبدأ التفاعل الخفي بين النفوس. وقد نشعر بانجذاب فوري نحو أشخاص لم نعرفهم من قبل، وكأن شيئًا ما في داخلنا يعرفهم مسبقًا.

وقد نشعر بنفور لا تفسير له، وكأن الروح تضع حدودها قبل أن تنطق الألسن.

أحيانًا يكون هذا التقارب قائماً على أساس متين من الإيمان، تلتقي فيه الأرواح على الطاعة، ويجمعها حب الخير، فينشأ بينها ودٌّ لا تفسده المصالح. وأحيانًا أخرى، يكون التآلف وليد تشابه الطباع، أو توافق الرؤى، فيرتاح الطرفان بلا مقدمات، ويأنسان ببعضهما في صمت مطمئن.

لكن هناك من العلاقات ما يقوم على منفعة، مصلحة، أو طموح مشترك، فيكون انجذابًا مؤقتًا لا يصمد طويلاً. وقد يجتمع البعض – والعياذ بالله – على معصية، فيتآلفون على باطل، وتزين لهم أنفسهم ما لا يرضي الله.

وأحياناً يكون التنافر غير مقصود فقد تبتعد الأرواح عن بعضها بسبب تباين القيم، أو غرور، أو تأويل خاطئ، أو حتى تهيّؤات لا أصل لها.

 وقد يحدث النفور لأسباب تافهة وغير منطقيه كاختلاف الطبقات الاجتماعية أو الاعتماد على جمال الشكل، وحسن المظهر أو طريقته في الحديث،

وقد يظن أحدهم السوء بالآخر، فيبني مشاعره ومواقفه على ما فهمه، لا على ما وقع فعلاً، وتبدأ المسافات في الاتساع. فيُقصيه بلا مبرر، ويمنعه من فرصة التعارف.

وأحياناً يكون السبب حب القيادة، فعندما يرغب شخص أن تكون له الريادة، ويرى نفسه أنه الأفضل، ويجب أن يكون في القمة فهو من يستحقها فشخصيته وصفاته تؤهله لذلك، ولن يرضى ولن يتنازل عن هذه المكانة التي وضع نفسه فيها، ويظل الصراع يدور والمؤامرات تحاك حتى يتنازل من حوله قهراً، أو ينسحب وفي أعماقه تتراكم الضغينة والبغضاء.

وهناك من يؤخر الصلح بدافع الكبرياء، رغم انه يتمنّى من قلبه زوال الخصام، لكنه لا يجرؤ أن يبادر. وهنا يتسلل الشيطان ويقوم بدوره في الوسوسة بأنك لو كنت البادئ، فأنت ضعيف ومخطئ، وبالتالي يطول الشقاق وتحدث القطيعة والفراق”، وتُنسى وصية النبي: “خيرهما الذي يبدأ بالسلام.”

والأصعب من ذلك كله، أن يُطلب من شخص أن يكون مصلحًا بين متنافرين. فالمهمة لا تليق إلا بمن رزقه الله الحكمة، وأكرمه بالبصيرة، وجمع بين الحِلْم والرشد، ليكون صوته جسرًا يعيد الأرواح إلى التلاقي، لا من يزيد الفجوة عمقًا والجرح نزفًا.

إن تقارب النفوس رحمة، يُبنى على حسن الظن، ولين القلب، ونقاء النية. أما التنافر، فهو شر إذا تُرك ينمو، أزهَر قطيعة وفرّق بين الأحبة

فلنتذكّر دائمًا أن الأرواح لا تحتاج لتبرير، لكنها تحتاج لصدق النية، وسعة القلب…

فالتقارب رزق، والتنافر اختبار

والخير كل الخير فيمن يبدأ بالسلام، ولو بكلمة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com