مقالات

فرحة العيد .. مواسم تربط القلوب

محمد بن مسعود العُمري

العيد بهجة وطن، وروح تتوزع على كل مدينة وقرية، من السهول إلى الجبال، ومن الشطآن إلى الحقول. في كل منطقة من مناطق وطننا الحبيب، مظاهر بهجةٍ لا تخطئها العين، وقلوب تستقبل العيد بما يليق بمكانته في الدين والحياة.

تأتي عشر ذي الحجة، فتحلّ معها أيام يتغير فيها وقع الوقت؛ تسمع التكبيرات تتردد من بيوت متفرقة، ويكثر المارّون في الطرقات مع طلوع الشمس، كلٌّ له وجهة في فعل خير، أو صلة رحم، أو سعي في برّ. هي أيام لا تشبه غيرها، فيها تعلو النفوس عن الصغائر، ويتسابق الناس إلى ما فيه نفعٌ لهم ولغيرهم.

في القرى الريفية والهجر، حيث لا تزال العلاقات تنسج بخيوط القرب والبساطة، تبدأ مع أول يوم من العشر حركةٌ هادئة لكنها ذات معنى؛ تُنقّى النيات، وتُعدّ السقيا عند المزارع، وتُرسَل العطايا لمن يحتاج، ويبدأ الحديث عن الأضحية، ومَن سيذبح ومتى، وتلك مشاهد لا يغيب عنها البعد الإيماني والاجتماعي المتشابك.

العيد في هذه المجتمعات لا يُفهم على أنه مناسبة زائلة، بل امتداد لأيام الطاعة، وترجمة عملية لما زرعته العشر في القلوب. وفي القرى الريفية – حيث البساطة في المظهر والعمق في المعنى – يتحول العيد إلى لوحة من التراحم، تطرق فيها الأبواب بلا موعد، وتُختصر فيها مسافات البُعد بكلمة طيبة، وابتسامةٍ تنوب عن رسائل كثيرة.

العيد يُعيد ترتيب العلاقات، ويمنح الناس فرصة ليكونوا أقرب، دون ضجيج، دون رسميات، بل بأرواحٍ تتعانق وتتسامح، ويدٍ ممدودة، ووجهٍ بشوش. وحين تُقدَّم وجبة “العيش” -سيدة المائدة -في صباحات العيد، بالسمن والعسل، لا تُقدَّم كطعام فحسب، بل كرسالة ضيافة وعنوان محبة. فالعيش عندنا -أقصد مجتمعي المحلي -ليس مجرد وجبة، بل رمزٌ عميق من رموز التعايش، ومشهد من مشاهد الاجتماع الذي يربط الناس بخبز الحياة، وبمعاني المشاركة والبساطة والسخاء.

من بين يدي العجائز اللواتي يجهزن العيش، إلى أيادي الشباب الذين يقدمونه للضيوف، تمرّ ذاكرة المكان كلّها، حيث تتداخل البركة مع المحبة، والسُّفرة مع المودة، فلا تكاد تميّز بين طعام العيد وبين معانيه.

عندما تُمضي العشر بأعمال صالحة، ثم تستقبل العيد بقلب طاهر، تدرك أن هذه المواسم ليست مجرد تواريخ، بل هي محطات تربطنا بالله، ثم ببعضنا البعض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com