مقالات

قراءة انطباعية في رواية “حب في السعودية”

7 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

بقلم: فيروز الحاسي

هل نحن نمر بالعلاقات، أم هي التي تمر من خلالنا؟

في البداية، دعني أحكي لك القصة بشكل سريع:

رواية بسيطة، وقد تبدو لك مكررة: شاب يغادر أمه التي تعيله لوحدها، ويذهب إلى الرياض لدراسة الطب، وهو «حلم فاتن لأمه»، وهناك يغرق في دوامة من العلاقات العاطفية، وحين يصل أخيرًا إلى فتاة أحلامه وحب حياته، تفشل العلاقة، ويظل عالقًا فيها، ليخسر دراسته وعلاقاته.

أنهيتُها في يومين وست ساعات بالتحديد، ولكن الغريب أن تلك الوريقات جعلتني أغرق لعشرة أيام في شبكة عنكبوتية لا متناهية من الأوراق النقدية والمراجعات التي تخص الرواية.

فكرتي الأولى عن الرواية أنها كانت تقدم مجموعة من الصور المكبرة عن المجتمع السعودي،

ولكن عندما قرأت بعض المقابلات الصحفية مع كاتب الرواية في «صحيفة الرياض»، أكد بأنه لم يسعَ لجمع كل أنواع العلاقات، وإنما حاول أن يخلق صورة بانورامية لحالة واحدة، وكل ما أثّر فيها وأماتها وأحياها.

وعند وصولي لنهاية الرواية، فإنني، للأسف، لم أجد الحب، بل وجدت شخصًا مأزومًا يبحث عن نفسه من خلال العلاقات، ثم يصل في النهاية إلى علاقة واحدة لتعريه تمامًا وتجعله يواجه نفسه وأخطاءه وهشاشته ونقاط ضعفه.

كما أن الرواية كانت تتخذ خطًا واحدًا، مكتوبة بأسلوب ذكوري، دفاعي، وبه حالة إنكار شديدة لأخطائه، محاولًا في كل مرة أن يضع اللوم على حبيبته وماضيها، الذي لا يختلف كثيرًا عن ماضيه، في فشل العلاقة.

الرواية مكتوبة بأسلوب أقرب إلى أن يكون «إيروتيكا»، وبطريقة تُوصف بها العلاقات الحميمية بجرأة ووضوح، ولكن في رأيي من المجحف أن نغفل هندستها الجميلة وبناءها المتين.

وما لم يعجبني، ورأيت أنه لم يُعطِ الرواية حقها، هو اللغة التي كُتبت بها؛ كانت أشبه بلغة الحكواتي، ولم تتسم بلغة شاعرية، بل لم تصل حتى إلى لغة رفيعة، وإنما كانت أقل من عادية.

a57a1562 8edb 4b97 8eb9 2e44e8b4edec 1

«قطع مبعثرة… ولكنها مرصوصة بعناية.»

لم تكن الرواية تسير في خط زمني واحد، وهذا أكثر ما أدهشني؛ كونها كانت تبدأ من المنتصف، ثم تقفز إلى الوراء، وتعطيك جملًا تتنبأ بالمستقبل، ثم فجأة تعود بك نحو الماضي البعيد، وهذا في رأيي أعطاها بُعدًا ساحرًا وفنًا في ترتيب الأحداث.

«حين تتحول الرواية من نص مكتوب إلى عدسة كاميرا»

وقد كنت أثناء القراءة أشعر أحيانًا بأنني أشاهد فيلمًا.

أحيانًا أنتهي من فصل فأتخيله:

(لقطة واسعة) للمدينة، المجتمع، العائلة، الطبقة الاجتماعية.

(لقطة متوسطة) إيهاب، أمه، فاطمة، خلفياتهم الثقافية.

(لقطة قريبة) خوفهما، شكهما، سطوة المجتمع الذكوري، كونهما هجينًا، «نصفهما فقط سعودي».

ثم قطع مفاجئ، ويذهب بنا إلى زمن آخر ليشرح سبب تداخل الثقافات.

وبهذه الطريقة تشعر بأنها كانت سريعة، مشهدية، مكثفة، فيها شيء من روح السينما والمسرح؛ فهي تختصر العبارات البلاغية والمونولوج في مشهد أو حركة أو جملة تؤدي وظيفة أعمق.

وهذا اكتشفته بعد أن عرفت خلفية الكاتب المسرحية واهتمامه بالسينما.

«حين يوظف الكاتب البناء السردي للهروب من سلطة المجتمع، أو لتملق الرقيب»

الميتاسرد، الرواية داخل الرواية، الميتا-قص.

هذا ما تناولته إحدى المقالات النقدية للرواية، وهو موجود بوضوح في الرواية، وما أكدته كاتبة القراءة النقدية «هالة موسى».

وقراءة أخرى تزعم بأن الرواية تقوم على «الرواية داخل الرواية»، وهو إيهام بالسيرة الذاتية، بحيث يظل القارئ مترددًا بين الكاتب والراوي والشخصية.

من يكتب؟ ومن هو صاحب القصة الحقيقية؟

أرى بشكل خاص أن بادي وظّف هذه المستويات السردية، وأبدع في تنوعها واستخدامها لإبراز جميع عناصر الرواية في لقطة «شوت» واحدة، وهي في الوقت نفسه حل مثالي للهروب والتحايل حتى ينجو بنفسه من المساءلة والرقابة التي يخضع لها الكاتب من مجتمعه، وكأنه يضاعف المسافة بينه وبين القارئ، ويدخل أصواتًا سردية أخرى لتشغيل القارئ عن المحتوى وحساسية الرواية وأحداثها الصادمة، كما أشرت إليها في بداية المقال.

«حين ترتبط النجاة بفعل الكتابة»

بما أن بادي طعّم روايته بالبناء السردي «الرواية داخل الرواية»، هنا تحديدًا خلق مساحة لبطل العمل بأن يحاول فهم ذاته عن طريق كتابة قصته مع فاطمة، وإن كانت أسبابه تختلف، ويوعز كتابته بأنه يريد أن ينتقم منها ويفضحها.

ولكن الكتابة هنا أدت سحرها، وامتصت هذا الغضب، وجعلته يعترف بنقاط ضعفه وجروحه وأسبابها. وهذا، في اعتقادي، أهم وأجمل رمز وظفه الكاتب في حق الكتابة.

فالكتابة هنا لم تعد وسيلة للحكي، وإنما أصبحت محاولة لفهم الذات.

في النهاية، لهذا السبب استغرقت وقتًا طويلًا في البحث عما وراء هذه الرواية. لم أعد أفكر في إيهاب وتعدد علاقاته، ولكن أصبحت محاصرة بكمّ من الأسئلة:

  • ما الذي يتبقى في الإنسان بعد أن يمر بعدة تجارب عاطفية؟
  • هل نستطيع أن نفصل أنفسنا عنهم، ونرجع إلى هويتنا الأولى دون أن نلتقط عدوى؟
  • هل يستطيع الإنسان أن يفصل نفسه بشكل تام، ويقطع الخيوط الخفية في اللاوعي مع من أحبهم، بل حين راودته نفسه وذهب لأكثر من ذلك ودخل في علاقات عاطفية؟
  • هل كانت فاطمة الحبيبة، أم خط التماس؟
  • هل كانت توأم الروح، أم مرآة الروح التي عرّت جروحه الداخلية؟

إننا لا نخرج من العلاقات كما دخلناها أول مرة، فكل شريك ليس إلا مرآة نعيد من خلالها اكتشاف أبعادنا الخفية. وكما تشير بعض الدراسات النفسية، فإن تراكم العلاقات لا يخلق بالضرورة إنسانًا هشًا، بقدر ما يعيد تشكيل بنيته النفسية ونمطه في التعاطي مع الحياة.

نحن نلتقط من الآخرين صمتهم، وخوفهم، واندفاعهم، وهشاشتهم دون أن ندري، حتى نكتشف في النهاية أننا لم نكن نختبر أولئك الآخرين، بل كنا نختبر ذواتنا عبرهم.

فالعلاقات لا تمر بنا مرور الكرام، بل تصقلنا، تخدشنا، وربما تعرّينا أمام أنفسنا… ليبقى السؤال قائمًا:

حين ننظر في نهاية المطاف إلى من يقف أمام المرآة، هل نرى أنفسنا… أم نرى كل من أحببناهم؟

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com