مقالات

يوم ممطر جميل

4 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

بقلم: هيفاء نورالدين

تُغلق النوافذ في لندن حين يبدأ المطر، وتُسحب الستائر. يكتبون في رواياتهم كان صباحاً كئيباً ماطراً ،وكأن المطر مرادفٌ للحزن. سمعت مرة صديقاً يعيش هناك يقول لي في اتصال: الجو هنا رمادي، يمطر منذ ثلاثة أيام، لا شيء جديد. قالها بنبرة من يتحدث عن مرضٍ مزمن تعايش معه.

عندنا، المشهد مقلوب تماماً. نحن الذين نحفظ مواعيد السحب كما نحفظ أسماء أحبتنا. أول غيمة في أكتوبر نرفع لها رؤوسنا كأنها بشارة. وإذا هطل المطر، فُتحت الأبواب لا النوافذ، وخرج الأطفال إلى الحوش حفاة، وصرخت أم من الداخل: ادخلوا لا تبتلواوهي تبتسم لأنها تريدهم أن يبتلوا قليلاً.

ولهذا تختلف لغتنا.

في الإنجليزية يقولون gloomy rainy day ، يوم كئيب ماطر. ترجمناها حرفياً وأصبح بعض كتابنا يكتبونها في روايات تصف القاهرة وطرابلس وعدن، حيث المطر عيد. كيف يكون المطر كئيباً ونحن نسميه غيثاً و رحمة و رزقاً؟ نحن لا نقول نزل المطر فقط، نقول أغاثنا الله. لغتنا لم تر المطر ماءً يسقط، رأته نجاة.

تأمل أسماءه عندنا: الوسمي، الولي، الرشاش، الديمة، الوابل. لكل هيئة اسم، ولكل صوت حكاية. لأن الصحراء علمتنا أن نفرح بالتفاصيل. الأوروبي الذي يملك الماء كل يوم لا يحتاج كل هذه الأسماء، تماماً كما أننا نحن لا نملك خمسين اسماً للثلج.

وهنا تكمن المفارقة التي أفكر فيها كثيراً. صرنا نستعير تعابير لا تشبه سماءنا. نقرأ في كتاب عربي مترجم: كان مزاجها عاصفاً كيوم ماطر، ونحن نعرف أن المرأة حين يكون مزاجها عاصفاً كيوم ماطر عندنا، فهي في قمة الجمال، لأنها أخيراً أمطرت بعد طول جفاف، لأنها أخيراً قالت ما في قلبها.

أتذكر جدتي، رحمها الله، كانت إذا سمعت الرعد وهي على سجادتها، قطعت دعاءها وقالت: اللهّم اجعله غيثاً نافعاً، لم تكن تقول الجو سيء اليوم لم يكن عندها جو سيء أصلاً. كان عندها جوٌ تنتظره.

صديق لي عاش سنوات في كندا، عاد في أول ديسمبر. في أول ليلة ممطرة، وقف في منتصف الشارع ورفع وجهه للسماء. سألته ماذا تفعل؟ قال لي: اشتقت أن أتبلل دون أن أعتذر. هناك، إذا تبللت، فأنت مهمل. هنا، إذا تبللت، فأنت محظوظ.

لهذا، عندما يكتب أحدهم اليوم أشعر بداخلي بمطر لم أفهمه تماماً. أفهم أن روحه لم تحزن، بل ارتوت. وأن قلبه لم يبك، بل أنبت فرحا. نحن أبناء بيئة لا تقيس الفرح بالشمس، لأن الشمس عندنا كثيرة، تقيسه بقطرة. بليلة يبرد فيها الهواء فجأة، وتفوح رائحة التراب المبلول – تلك الرائحة التي لا يملك لها الإنجليز اسماً واحداً، ونملك نحن لها ذاكرة كاملة.

فإذا قال لك أحدهم غداً وابتسامته واسعة رغم الغيوم: يوم ممطر جميل… أليس كذلك؟” فاعلم أنه منا، من الذين لا يزالون يرفعون وجوههم للسماء حين تمطر

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com