الشدوي؛ حين تتقدّم القصيدة لتعرّف بصاحبها

محمد بن مسعود العُمري
ظهر في ساحة العرضة الجنوبية في الآونة الأخيرة شاعرٌ لافت، لم يكن حضوره صاخبًا، ولم يسعَ إلى تقديم نفسه من خلال المبالغة أو كثرة الظهور، وإنما جاء حضوره هادئًا، يحمل معه شخصيةً رزينة، وصوتًا مميزًا، وحضورًا يبعث على الاحترام.
وما يلفت في تجربته أنه يمتلك ملكةً شعرية واضحة، ويتعامل مع الشعر على سجيته، بعيدًا عن نهج المديح المفرط والمقارعة الهجائية، والشعر عنده مساحةٌ للتعبير عن الفكرة والموقف، قبل أن يكون ميدانًا للمغالبة.
وفي هذا السياق يمكن قراءة تجربة الشدوي؛ فالكلمة في شعره، في مبانيها ومعانيها، تستند إلى ملامح من شعر العرضة الجنوبية القديم، حيث كانت القصيدة في كثير من صورها تصف المناسبة، وتعبر عن الموقف، وتمنح المعنى حقه دون مبالغة في المدح أو إسراف في الألفاظ. وإذا حضر المدح، جاء في موضعه، مسبوكًا بقدرٍ من الاتزان، بعيدًا عن التكلف والإثارة.
ولعل أجمل ما في حضوره أنه لم يستعجل الشهرة، ولم يجعلها غايةً تسبق تجربته؛ فترك للشعر أن يتقدم باسمه، وللنص أن يقول ما يعجز عنه التعريف. ومن هنا جاءت هذه الوقفة القصيرة معه، لا للحديث عن سيرته أو تعداد مآثره الشعرية، وإنما للاقتراب من تجربته من خلال نماذج من شعره، نعرض بعض ما فيها من صورٍ ومعانٍ، ونترك للقصيدة أن تقدم صاحبها كما ينبغي للشاعر أن يُقدَّم.
في إحدى قصائده، يضع الشدوي موقفه من بعض ما يثار من كلامٍ في صورة مباشرة لا تحتاج إلى كثير تأويل، فيقول:
ترى هروج الكذب والزور والتهم
تثني طوال الروس وتضيق الصدر
وأنا عدو الكذب والزور والتهمان
وإلّي سلم من كلمة الزور والتهمانيّ
ما عيني أشكك في كلامه ولا أتهمه
والمقصود بـ«الهَرْج» هنا ما يدخل في الكلام من لغطٍ وخلطٍ وتشويش، وهو معنى تؤيده دلالة الكلمة في سياق الحديث عن «الكذب والزور والتهم». أما «هَرَّج» في بعض الاستعمالات المعجمية فتأتي بمعنى مازح في كلامه وتصرفاته، وهو معنى مختلف عن المراد في هذا النص. ومن سياق القصيدة يتضح أن الشاعر يتحدث عن كلامٍ مختلطٍ مشوش، حين يمتزج بالكذب والزور والتهم.
ويقول: «تثني طوال الروس وتضيق الصدر»، أي إن هذا اللغط المشوب بالكذب والزور والتهم، لما فيه من تشويش وافتراء، يبلغ من النفس مبلغًا يثقل عليها، ويجعل حتى أصحاب الرؤوس المرفوعة يتثنون من أثره، ويضيق به صدرهم؛ لا عن ضعفٍ أو انكسار، وإنما لما في نفوسهم من نفرةٍ من الباطل وأذىً من سماعه.
ثم يأتي موقفه صريحًا: «وأنا عدو الكذب والزور والتهمان»، فلا يكتفي بوصف أثرها، بل يعلن موقفه منها بوضوح. غير أن خاتمة النص تمنح هذا الموقف قدرًا من الاتزان، حين يقول: «ما عيني أشكك في كلامه ولا أتهمه»؛ فرفض الكذب والزور لا يعني عنده أن تتحول الخصومة مع الباطل إلى سوء ظن بالناس أو اتهام لهم.
وهنا تتقدم القصيدة خطوة أخرى في تعريف صاحبها؛ إذ تكشف عن موقفٍ واضح، وفي الوقت نفسه تكشف عن حرصٍ على ألا يتجاوز هذا الموقف حدَّه.
ثم تأتي هذه القصيدة، وهي من البدع والرد، لتمنحنا صورةً أوضح عن علاقته بساحة الشعر، وعن نظرته إلى المحاورة والمنافسة. وهي من النصوص التي تشرح لنا سيرة الشاعر الشعرية بوضوح؛ فهو لا يرفض خوض المعارك الشعرية لأنه عاجز عنها، بل لأنه لا يرى في كثير منها ما يستحق أن يكون غايةً للشاعر.
يقول في البدع:
بعدما عقلي رسم لوحة وفاء وأجاد للشعار
صار قلبي يشتكي من صاحبي تعبة ومن جاري هم
وأما باقي الناس تبدي إعجابها والا معلقة
والصديق اللي تلحقته بخير ومن قصاي أدريته
أنكر المعروف واتعب صاحبه واشقى لمنجد ايد
طالما أنه عن مواثيق الصداقة محترف ولهاوي
ليش أدور له عواذر وارتجي خلفه منال خير
والنتايج واحدة متفرقة والا مجاملة
ثم يأتي الرد:
ما عجزت أدخل معارك طاحنة وأجادل الشعار
غير ودي أقعد لحالي لا يجاروني ولا أجاريهم
خل شعري بأظهره في ملحمة والا معلقة
إلا كم شاعر يحاور في ميادين القصايد ريته
وجماهير المحافل ما درت وش قال من جديد
انحن ما جينا نقيس الفرق بين المحترف والهاوي
البشر معها عقول وتعرف الأول من الأخير
حتى لو تطغى عليها العنصرية والمجاملة
واللافت هنا أن الشاعر يبدأ من موقفٍ شخصي، ثم يتسع به في الرد إلى موقف من المشهد الشعري نفسه. فقوله: «ما عجزت أدخل معارك طاحنة وأجادل الشعار» يقطع الطريق على تفسير ابتعاده عن المناكفات بأنه عجز عن خوضها؛ فهو يقرر قدرته، ثم يختار عدم الانشغال بها.
أما قوله: «غير ودي أقعد لحالي لا يجاروني ولا أجاريهم»، فيكشف عن رغبة في أن يظل الشعر بعيدًا عن دائرة الأخذ والرد التي قد تتحول فيها المناسبة إلى منافسة لا تنتهي. فالمناسبة، في نظر هذا النص، ليست ميدانًا لتصفية الحسابات، ولا ينبغي أن يتحول الشعر فيها إلى غايةٍ قائمة على المغالبة وحدها.
ويأتي قوله:
انحن ما جينا نقيس الفرق بين المحترف والهاوي
البشر معها عقول وتعرف الأول من الأخير
ليؤكد معنى آخر أكثر وضوحًا؛ فهو لا يريد أن يجعل الشاعر هو القاضي لنفسه، ولا أن ينشغل بتصنيف الشعراء بين محترف وهاوٍ، بل يترك للمتلقي عقله وحكمه.
وهنا تلتقي القصيدة مع ما لمسناه في النص الأول؛ وضوحٌ في الموقف، وابتعادٌ عن المبالغة، وترك الحكم للنص والمتلقي. ولذلك تبدو هذه القصيدة شاهدًا مهمًا على طبيعة الشاعر أكثر من كونها مجرد بدع ورد في مناسبة شعرية.
ولليوم الوطني حضوره في شعر الشدوي، كما أن للوطن نصيبًا في قريحة الشعراء؛ فالمناسبات الوطنية تفتح للشاعر بابًا للتعبير عن مشاعر الاعتزاز بالوطن، واستحضار ما يحيط بالمناسبة من معانٍ ومواقف.
وفي قصيدةٍ له قيلت بمناسبة اليوم الوطني، يستهل الشدوي نصه بفرحة العيد، وما يرتبط بها من أمنٍ ورخاء، ثم ينتقل إلى الدعاء للجنود واستحضار مشهد الحدود، فيقول:
عاد عيد البلاد وشعبها في رخاء وأمن وأمان
والله ينصر جنود الدولة اللي على الحد الجنوبي
تحت ظل الملك سلمان ومحمد ولي العهد
قد نصرنا اليمن والمعركة في مراحلها الأخيرة
علموا الحوثي المتمرد أن السعودي ما يخاف
الصواريخ نلحقها صواريخ والهيبة لنا
يبدأ النص من المناسبة نفسها، فيربط العيد بحال البلاد من رخاء وأمن وأمان، ثم ينتقل إلى الدعاء للجنود المرابطين على الحدود الجنوبية، فيجمع بين فرحة المناسبة واستحضار رجال الميدان.
ثم تحضر القيادة السياسية في سياق المناسبة الوطنية، قبل أن ينتقل النص إلى أجواء المعركة، فتتغير نبرة القصيدة من التهنئة والدعاء إلى نبرة التحدي والثقة، وهي نبرة تتلاءم مع طبيعة العرضة وما تحمله من خطاب مباشر وحماسي.
أما قوله: «قد نصرنا اليمن والمعركة في مراحلها الأخيرة»، فيقصد بـ«نصرنا اليمن» الوقوف إلى جانبها ومؤازرتها، ثم يواصل الشاعر حديثه بلغةٍ حماسية تستحضر أجواء المعركة وثقة المقاتل بجنود وطنه وقدرتهم على حماية ثغوره.
وفي ختام النص، تظهر لغة العرضة في أوضح صورها من خلال المباشرة والحماسة، كما في قوله: «الصواريخ نلحقها صواريخ والهيبة لنا»؛ وهي صورة خطابية تنتمي إلى أجواء القصيدة ومشهدها الحماسي، وتكشف عن قدرة الشاعر على الانتقال من التأمل في الشأن الشخصي إلى التعبير عن المناسبة الوطنية بلغة مختلفة.
ومن خلال هذه النصوص الثلاثة، لا نحتاج إلى أن نحمّل الشاعر أوصافًا كثيرة، ولا أن نستعجل في إصدار الأحكام على تجربته؛ فالنصوص نفسها تقدم لنا أكثر مما تستطيع عبارات المديح أن تقدمه.
في القصيدة الأولى، يتحدث عن موقفه من الكذب والزور والتهم، ويوازن بين رفض الباطل وبين عدم التسرع في اتهام الآخرين.
وفي الثانية، يوضح موقفه من المعارك الشعرية والمغالبة، ويؤكد أن الشعر عنده ليس ساحةً لتصفية الحسابات، ولا مناسبةً لادعاء التفوق، وأن للمتلقي عقلًا يزن به النصوص.
أما الثالثة، فتفتح نافذة أخرى على حضوره الوطني، وتبين أن المناسبة الوطنية تجد طريقها إلى شعره، بلغةٍ تتغير بحسب المقام، من التهنئة والدعاء إلى الحماسة والتحدي.
وهكذا، تتشكل صورة الشدوي من قصائده نفسها؛ لا من تعريفٍ يسبقها، ولا من مديحٍ يبحث عن شاهد يؤيده. فالقصيدة هنا لا تأتي لتزيّن صورة الشاعر، وإنما تتقدم لتعرّف به، وتترك للقارئ أن يرى ملامح صاحبها بين الكلمات، وأن يقرأ تجربته من خلال ما قال، لا من خلال ما قيل عنه.



