مقالات

في مجموعته (مقهى الأبواب الصامتة) الطويل .. يمارس العنف اللفظي ضد الرجل ويؤنسن الأبواب

قراءة: هاني الحجي

 (مقهى الأبوات الصامتة) مجموعة قصصية للكاتب إبراهيم الطويل صادرة عن دار فراديس واشتملت على ستة عشر قصة قصيرة في اثنين وسبعين صفحة.

بدءاً من عتبة النص عنوان المجموعة (مقهى الأبواب الصامتة)، والصمت تعبير عن حزن الأبواب وائتمانه على الأسرار التي دارت خلفه والحكاية التي اختزنتها بيوت الفريج، والمقهى هو المكان الذي تجتمع الناس فيه للأحاديث عن كل شيء تفضح حتى ما صمتت عنه الأبواب!

الغلاف يعبر عن فكرة المجموعة لباب سكة قديمة تثير اللواعج والشجون والذكريات والحنين للماضي لمن عاش في الأحياء الشعبية والأزقة القديمة، وتم تسليط إضاءة على الباب في الجانب الأيسر من الكتاب ترمز للانتقال للمدن والحياة الحديثة، والجانب الأيمن من الباب مظلم ليعبر عن حزن الباب لرحيل ساكنيه.

العنوان يأنسن الباب من خلال التساؤلات التي تطرحها القصص هل تصمت الأبواب؟ ولماذا؟ هل للرحيل أم لألم البعد؟ هل الأبواب يظل لها حنينها.

 استطاع الغلاف أن يدخل المتلقي للمجموعة في حيثيات الصراع بين الماضي والحداثة بين القديم والجديد الحنين للماضي، وذكريات الرحيل عن الأحياء القديمة وذكريات الطفولة فيها.

الإهداء كان أيضًا من المكان ( قهوة السيد) التراثية التي تستلهم في تصميمها التراث القديم لأحياء الأحساء وربط  الكاتب المكان بابتسامة صاحب المقهى لتوصل الابتسامة أملاً أن الأحياء مازالت تنتصر للذكرى الجميلة ففي عمق المدن الحديثة جسدت قهوة السيد الأصالة والتراث، وهذا يعيدنا لصورة الباب التي شكلت هذا الصراع بينهما في المجموعة.

44

حينما نفتح باب الغلاف للدخول الى(فريج) المجموعة القصصية تصادفنا القصة الأولى

(باب السكة)

استعاد فيها البطل ذكريات الطفولة للباب والحب الطفولي لبنت الجيران وطرقات الأصابع الناعمة، وهي تبتهل بلغة تتسلل فيها الظلمة بعد إغلاق كل منافذ النور حتى لا يتسلل الصبح ليهدم أحلامها، مما يثير التساؤل لدى المتلقي أيهما الظلمة وأيهما النور هل كانت الفرجان بتمسكها بعاداتها تمنع نور الحداثة والانفتاح والخروج من خشب العادات التي كانت تغرس مسامير العيب في أصابع الفتاة الناعمة التي يطرق حبيبها على بابهم المغلق ليتلصص على الفتاة الجميلة خلفه.

 البطل في القصة كان يعيش صراع ما بعد الأبواب وما داخلها فأي سكة سيسير فيها بعد أن أصبح أمام مفترق طريقين أمام أبواب الخشب وحنينها، أو الأبواب الحديدية في الأحياء الجديدة وقسوتها وصلابتها في تناثر أحلامه بلقاء من أحبها بطفولته.

 تساقطت كل أحلامه الطفولية مثلما تساقطت ضحكات حبيبته في غياهب الموت الذي حاول أن ينتزعها من قلبه، وهنا الحبيبة لها رمزية ودلالة مشبعة بكل معاني الحياة في (الفريج)، حتى أنه ابتعد عن الباب الخشبي الذي سيسحبه عن الماضي ليجد نفسه يغوص في ألوان الأبواب الحديثة، ولكن مازال غبار بيتهم القديم هو الأقرب لقلبه الذي خطفته أنوار المدينة، وحتى لو عاد الى الماضي لن يجد طفولته التي ضيعتها الأبواب المسيجة والأسوار العالية.

اختار في قصة (الروشن)

المكان العلوي الذي يدل على السطح لتتفرج الفتاة على الفنان (عيسى الأحسائي) وهو يعزف تناول فيها مرحلة مهمة قبل التحول الذي عاشه المجتمع حينما كان متصالحًا مع الفنون، وكانت حتى الجدران تهتز طربٌا مع نغم عيسى والأرواح تحلق في تراتيل عزفه، وهنا يصدم الكاتب المتلقي بسؤال الوعي حينما انتقلت القصة إلى مرحلة التحريم المجتمعي للفنون.

يتساءل البطل “ما الذي يجعل الخطباء يحرمون الفنون؟” وكانت الإجابة بلغة سردية بارعة حينما اهتز الصندوق الخشبي، وسقطت الفتاة ويمسرحها في القصة بلقطة درامية لسقوط المجتمع في وحل الصدامية مع الفنون، ولكن السقطة أحدثت قرقعة زادته طربًا لينعش أملاً للأجيال القادمة في العودة لثقافة الجمال والحياة وعدم نصب المشانق لها!

 بعدها تتناول قصص المجموعة صوراً متنوعة لاضطهاد المرأة التي تخرج في كل القصص مسلوبة الإرادة ومارس الكاتب العنف اللفظي في قصصه ضد الرجل وألبسه رداء القسوة والوحشية في التعامل مع المرأة.

الطويل

يسلط الكاتب الطويل في قصة (الروزنة)

الضوء على زواج رجل كبير من فتاة صغيرة في قصة كلاسيكية تم تناول فكرتها كثيراً في الأدب العربي ليفك الأب رهنه وديونه، ولكن المفارقة أن الفتاة كانت قانعة بقرار أبيها “احنا البنات مالنا كلمة اذا ابونا قال شي حتى نرده ونخالف”، وهو جانب اجتماعي يتطرق إلى تهميش المرأة وقمع قرارها.

وكانت قصة ( الدريشة)

معزوفة فنية في ترميز –النافذة- أنها تحفظ أسرار العشاق، وكأن (الدريشة) تشعر باشتياق المحبين لتفرج من درفتها فسحة نور لاختلاس نظراتهم، لكن في النهاية فلتت من الكاتب القصة ليطرح فكرته مباشرة في موضوع اجتماعي، وهو عدم التناسب في الزواج وفقًا لمفاهيم اجتماعية .

ويستمر في مجموعته بتناول صور مهزوزة للمرأة مسلوبة الإرادة مثل قصة (باب الخوخة) والتي تمثل صورة اجتماعية أخرى لقسوة الأزواج على الزوجات المستضعفات.

أما قصة (السيكل)

فتناولت وصاية الرجل على  المرأة من خلال بطل القصة (دحيم) حارس المدرسة للبنات الذي ينفخ سيجارته مستقويًا برجولته على طالبات المدرسة للحفاظ عليهن من الفساد.

صورة أخرى من استبداد الرجل في قصة (الباب الشرقي) الخال الذي يرمي بنات أخته في بيت مهجور، وفي (قصة الدهليز) الأب الذي يركل ابنته ليلى الفتاة الجميلة لأنه مريض بالشك في الوقت الذي كان عبود الذئب الذي اعجبته الفتاة يفترسها تاركًا أحزانها خلف دكاكين الموت لا يهمها ما حصل وما جرى! وفي قصة (السطح) الفتاة التي تحب ابن خالها جواد لكن يد الاقتدار تختطفه

 كرست قصة (المهباش) مظلومية المرأة من خلال شخصية إلهام سماها والدها بهذا الاسم لأنها ألهمته، لكن أيضًا يصب حمم المصائب عليها حينما تزوجت أيمن ابن خالتها، وانتزع منها ابنتها ذات الربيع الأول لترميها الأقدار عند صوت (المهباش)

ومازالت قصص المجموعة تتفنن في عذابات المرأة صورة موجعة للأم في قصة (المصخنة) حينما فجعها القدر في ابنها (يحيى) الذي أتى إليها بعد جذب الحياة لكن أحتز رأسه أحد الوحوش وهو يلعب.

ويستمر الكاتب في رسم مصير حزين  للشخصيات الذكورية الطيبة ففي قصة (استكانة الشاي) الأب مهدي الذي يحنو على زوجته وأولاده، ولكن يد القدر تختطفه ويأبى إلا أن تسير القصة في تجسيد وحشية الرجل ومظلومية المرأة حينما يحاول أخوه صالح  أن يتولى ورث أخيه من ابنائه الورثة لتجيبه زوجته أنه ليس له ورثة غير أسرته .

وفي موقف دراميكي يصف تحول البطلة في قصة (الفانوس) مريم وابنتها زينب التي تهمس لها وهي ترضعها بأنها ستبكي طويلاً، وتستعيد ذكريات الصراع مع جدها عند رغبتها في إكمال الدراسة لكن انتزعها أبوها من المدرسة وزوجها.

 تتطرق قصة (الكوت) لفتاة يرفض أخيها تزويجها بمن تريده بسبب الخلافات الفقهية داخل المكون الاجتماعي الواحد، وفي قصة (المبخر) صورة أخرى لقمع الرجل الملا والعمدة الشرير الذي ترتجف منه حتى (قطاوة الفريج) فهو ضرب ابنته رباب لأنها فكرت تبيع ذهبها وتشتري لها أرض!

تعتبر قصة (أم خريسان)  نجمة المجموعة وكانت تستحق تحمل عنوانها.

 الراقصة (شيخة) التي كانت تحيي الأعراس في الفرجان وهي إشارة إلى أن الأحساء كانت تحتفل بالفرح، وتقيم الرقص في الأفراح حينما يطلب منها أن ترقص في زواج حبيبها وهي صدمة نجح الكاتب ببراعة في تصوير الألم النفسي الذي تعرضت له بطلة القصة، وتجسيدها في قصة عجائبية حينما استمرت البطلة الرقص في الزواج، وعندما رأت عروسة حبيبها رقصت بحماس ورشاقة لتثبت لحبيبها في مخيلتها أنها أكثر أنوثة من زوجته التي فضلها عليها بل طلبت من النسوة التوقف عن الرقص لأنها حبيبها كان حاضراَ في مخيلتها، وتريد أن ترقص له وحده ولو في خيالها قبل أن تنتحر بالاستمرار في رقصها خارج العرس حتى وصلت عين (أم خريسان)، وهي تضم خطايا وأسرار النسوة والتهمها الماء كقربان كما هي في حكايا الفراعنة بعدها جاء من يخبرهم أنه وجدها في عين( أم صلخوت) بسلطنة عمان

 نقلتها قبيلة من جن الأحارفة

وربما لها جذور في المخيال الشعبي في العلاقة بين عين (أم خريسان) وعين (صلحنوت)  بسلطنة عمان، ولكن لم أجد ما يؤكد هذه الحكاية، وقد تكون من خيال الكاتب ومستقاة من الحكايات الشعبية .

هذه القصة شكلت للمجموعة نقلة حيث الإبداع والتقنية الكتابية تجاوز الكاتب فيها قصص المجموعة ومجموعته السابقة (نقب رسيول)، ولو قدم الكاتب قصصًا من هذا النوع ستكون إضافة للقصة على مستوى تجربته الشخصية

وفي الختام …..

هناك بعض الوقفات  مع المجموعة يبدأ الكاتب في القصة ثم يفلت منه التسلسل باستعجاله لإيصال الفكرة، وتتحول القصة إلى أشبه بالمقال المباشر رغم أن الكاتب من المثقفين، وحاول الدفاع عن قضايا المرأة إلا أنه أبرزها ضعيفة مسلوبة الإرادة

استخدم في عناوين مجموعته أماكن ومفردات وأدوات من التراث الأحسائي القديم وهي تحسب للمجموعة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com