مقالات

وشاح أمي

هيفاء علي نورالدين 

قصة قصيرة

لم يكن الوشاح مجرد قطعة قماش، بل كان شيئًا أكبر من ذلك… كان رائحة الحقل في صباحات القرية، وكان صوت أمي وهي تناديني قبل أن تذهب لسقي الزرع.

كان يلفّ عنقي في ليالي الشتاء، كما كانت يداها تحيط بي وأنا طفلة، أرتجف خوفًا من الظلام.

أحكمتُ عقده حول رقبتي في تلك اللحظة، وأنا أجرّ قدمي على سلالم البيت الكبير في المدينة. لم يكن بيتًا، بل قصرًا مهيبًا، جدرانه تلمع، وأرضيته من الرخام البارد الذي يلسع الأقدام الحافية مثل سوط خفي.

كنتُ قد جئتُ مع خالتي، التي عملت خادمة هناك منذ سنوات، لتساعدني في إيجاد عمل.

“اسمعي يا بنتي، لا ترفعي عينك في وجوههم، ولا تردي إن صرخوا فيك”.

هكذا أوصتني وهي تدفعني دفعًا إلى داخل المطبخ الكبير الذي امتلأ برائحة الدجاج المشوي والتوابل.

كان اليوم الأول قاسيًا.

كنتُ أسمع أصوات الأوامر تتساقط عليّ كالحجارة:

“امسحي الأرض!”

“اسكبي الماء!”

“أسرعي، كأنك سلحفاة!”

كنتُ أعمل وأنا أشدُّ الوشاح حول رقبتي، كأن شدّه سيمنع الكلمات من النفاذ إلى قلبي.

في الليل، حين ناموا جميعًا، جلستُ في زاوية ضيقة قرب المطبخ، أفتح الوشاح وأشمه كما لو كان نافذةً صغيرة على عالم بعيد…

عالمي أنا، حيث أمي تنتظرني، وحيث البيت الطيني الصغير الذي كان، رغم فقره، يملك دفئًا لا تجده في قصور المدينة.

مرت الأيام، وصار الوشاح أكثر اتساخًا، تمامًا كما صارت يداي مشققتين من كثرة العمل.

في كل مرة كانت السيدة ترفع صوتها عليّ، كنت أمسك بطرف الوشاح خفية، كمن يتشبث بكرامته الأخيرة.

لكن ما حدث في ذلك الصباح جعلني أفهم أن المدينة لا ترحم.

كنتُ أغسل الأطباق حين دخل ابن السيدة، شابٌ في مثل عمري، لكنه لم ينادني باسمي أبدًا، بل يقول دائمًا:

“يا خادمة!”

مد يده فجأة وخطف الوشاح عن رقبتي وهو يضحك، ثم لوّح به في الهواء قائلًا:

“ما هذا الخرقة؟ هل هي وسام شرف؟”

جمد الدم في عروقي، شعرتُ كأنني عارية أمامهم جميعًا.

مددت يدي لأسترده، لكن السيدة صرخت بي:

“اتركيه، هذا مجرد قماش متسخ!”

التفتُّ إليها، ثم إلى ابنها، ثم إلى وجهي المنعكس في المرآة المعلقة فوق الحائط، ورأيتُ فتاةً لم أعرفها.

فتاة بملابس قديمة، وعينين تلمعان بدموع لم تسقط بعد.

في تلك اللحظة، أدركت أنني لو تركت الوشاح يضيع، سأفقد ما تبقى مني.

هجمْتُ عليه بقوة لم أعرف أنني أملكها، وانتزعته من يده، ثم وضعته حول رقبتي، وشددت عقده كما لو كنت أشد وثاق قلبي.

قلت بصوت مرتجف لكنه واضح:

“… هذا حياتي!”

ثم التفتُّ إلى الباب، ومضيتُ خارجة.

لم أعد أنتظر راتبًا، ولا شفقة أحد.

خرجتُ من القصر وأنا لا أملك شيئًا سوى ذلك الوشاح، لكنه كان يكفيني لأمشي في شوارع المدينة مرفوعة الرأس، لأول مرة منذ جئت إليها.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com