هل ندرك نوايانا ؟

أميمة عبدالعزيز زاهد
كثيرًا ما نعرف ماذا نريد، ونحدد أهدافنا، ونمضي نحوها بكل ما نملك من جهد، لكننا نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا: لماذا نريد هذا؟ وما الذي يدفعنا إليه فعلًا؟
وهنا يكمن الفرق بين الهدف والنية؛ فالهدف هو ما نسعى للوصول إليه، أما النية فهي الدافع الخفي وراء هذا السعي. وقد يتشابه الناس في أهدافهم، بينما تختلف نياتهم اختلافًا كبيرًا، وربما كان العمل واحدًا والنتيجة واحدة، لكن ما وراءهما ليس واحدًا أبدًا.
وقد نظن أن معرفة النية أمر سهل، لأنها تسكن داخلنا ولا يطلع عليها أحد سوانا، لكن الحقيقة أن الإنسان قد يكون آخر من يعرف حقيقة نيته! فنحن بارعون أحيانًا في تجميل دوافعنا، ونمنحها أسماء أجمل مما تستحق، ونقنع أنفسنا بأننا فعلنا هذا حبًا أو وفاءً أو مساعدة، بينما يختبئ خلف ذلك انتظار لمدح، أو رغبة في إثبات الذات، أو منافسة، أو حتى مصلحة لا نحب الاعتراف بها.
وهذا لا يعني أن نفتش في كل عمل نقوم به حتى نرهق أنفسنا، ولا أن نشك في نوايانا ونوايا الآخرين، وإنما أن نملك من الصدق مع أنفسنا ما يجعلنا نتوقف أحيانًا ونسأل: لو لم يعرف أحد بما فعلت، هل كنت سأفعله؟ ولو لم يشكرني أحد، هل سأظل سعيدًا بما قدمت؟ ولو لم أحصل على مقابل، هل كنت سأختار الطريق نفسه؟
هذه الأسئلة الصغيرة قد تكشف لنا أشياء كبيرة.
وقد يكون للإنسان هدف نبيل، لكنه يصل إليه بنية لا تشبه نُبله. وقد يبدأ العمل بنية صافية، ثم تتغير النية في منتصف الطريق عندما يدخل الإعجاب بالنفس أو انتظار الثناء. والعكس صحيح؛ فقد يبدأ الإنسان عملًا لمصلحة خاصة، ثم يكتشف أثناءه معنى أكبر وأجمل، فتتغير نيته ويتغير معها إحساسه بما يفعل.
ولهذا كانت النية عظيمة المكانة في ديننا، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». فالناس يرون العمل، أما حقيقة ما وراء العمل فلا يعلمها إلا الله.
وفي حياتنا اليومية نحتاج إلى الأهداف؛ فهي التي تنظم خطواتنا، وتدفعنا إلى الإنجاز، وتجعل لحياتنا اتجاهًا واضحًا. لكن الأهداف وحدها لا تكفي، لأن الإنسان قد يحقق نجاحًا كبيرًا ويظل داخله فارغًا، وقد يصل إلى المكان الذي أراده ثم يكتشف أنه خسر في الطريق أشياء أهم مما كسب.
لذلك لا يكفي أن نسأل أنفسنا: إلى أين أريد أن أصل؟ بل علينا أحيانًا أن نسأل السؤال الأصعب: لماذا أريد الوصول؟
فالهدف يرسم الطريق الذي نمشي فيه، أما النية فهي التي تمنح هذا الطريق معناه وقيمته. وقد يصفق الناس لما وصلنا إليه، ويعجبون بما حققناه، لكن يبقى في داخل كل واحد منا مكان لا يصل إليه تصفيق الآخرين، ولا تخدعه الكلمات الجميلة.
هناك فقط نعرف الحقيقة… نعرف أهدافنا، ولكن هل نعرف فعلًا نوايانا ؟
حين نتأمل حياتنا نجد أننا نتحرك بين مسارين: النية التي يسكنها القلب، والهدف الذي ترسمه العقول. النية عمل خفي، صادق أو زائف، لا يراه الناس وإنما يراه الله وحده. أما الهدف فهو شيء ملموس، نقيسه بالأرقام والنتائج والمراحل التي نحققها.
قد يخطط شاب لاجتياز مرحلة دراسية صعبة، فيضع هدفًا محددًا: أن يحصل على أعلى الدرجات. لكن ما النية وراء ذلك؟ هل يسعى للعلم لينفع به نفسه ومجتمعه، أم لمجرد التفوق على زملائه أو نيل شهرة فارغة؟ هنا يظهر الفارق بين الهدف والنية، بين ما يراه الناس وما يراه الله.
ولعلنا نرى من واقع حياتنا صورًا متكررة: موظف يسعى خلف الترقية ويجهد نفسه في العمل، لكن نيته خدمة الناس وإعانة أسرته، فيبارك الله له في رزقه. وآخر يلهث للترقي ذاته كي يعلو على غيره، فيُحرم البركة ولو بلغ أعلى المناصب.
ومثال آخر قريب من حياتنا اليومية: الصدقة. قد يضع الإنسان هدفًا أن يتبرع بمبلغ معين شهريًا، وهذا هدف نبيل ومحدد. لكن النية هي الفيصل: أيتصدق رياءً وطلبًا لمديح الناس، أم ابتغاءً لوجه الله؟ قد يرى الناس المبلغ ويصفقون له، لكن الله لا ينظر إلى الكمّ وإنما إلى القلب. فقد يتصدق شخص بتمرة واحدة صادقة النية، فتكون عند الله أعظم من آلاف تُبذل رياءً.
وقد علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا الميزان بقوله: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» [متفق عليه]. فالعمل نفسه قد يكون عبادة أو عادة بحسب النية التي تسكن القلب. امرأة قد تُعد الطعام كل يوم، فإن نوت به رعاية أهلها وابتغاء مرضاة الله، كان في ميزان حسناتها عبادة عظيمة. ورجل قد يخرج للسعي في طلب الرزق، فإن نوى الكسب الحلال والإنفاق على من يعول، كان في سبيل الله.
إننا قد نغفل أحيانًا عن هذا البعد، فننشغل بالنتائج ونقيسها بالأرقام والشهادات والأموال، بينما يغيب عنّا أن الله لا يحاسبنا على المظاهر وإنما على القلوب. قال تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: 225].
فلنجعل أهدافنا واضحة، نعم، لكن الأهم أن نربطها بنية خالصة لوجه الله. فالله وحده يعلم ما وراء الكلمات والأفعال، وهو الذي يزنها يوم القيامة بالصدق لا بالمظاهر. ولنتذكر دائمًا أن أعمارنا قصيرة، وأن ما يبقى في صحائفنا ليس حجم الإنجاز وحده، بل صدق النية وراءه



